البطريرك بولس الثاني شيخو

(1958-1989)

البطريرك الحليم


ولد صادق بن ججو بن صادق شيخو (والدته شوني ميخا برنو) في الأول من شهرتشرين الثاني عام 1906 في بلدة ألقوش قلعة كنيسة المشرق وعرين البطاركة العظام . تربى صادق في كنف عائلة تقية ، متدينة ، قويمة السيرة والأخلاق . ولما بلغ صادق خمس سنوات من عمره أدخله والده ججو مدرسة الراهبات ليتعلم مبادئ الديانة المسيحية ومن ثم إلتحق بمدرسة مار ميخا النوهدري وأكمل فيها دراسته الأبتدائية . إلتحق بالمعهد الكهنوتي لبطريركية الكلدان ( معهد شمعون الصفا ) في 29 تشرين الثاني 1921 ، وكان مديره آنذاك القس عمانوئيل رسام (1891 – 1964) أما هيئة التدريس فكانت تتألف من المطران حنا قريو (اللغة الكلدانية ) ، القس (البطريرك لاحقا) يوسف غنيمة (اللاهوت) ، القس (المطران لاحقا) سليمان صائغ – الأدب العربي .

طالب السيمنير : كان طالبا مجتهدا ، مواضبا على الدراسة ، متمسكا بقوانين المعهد ، مطيعالأساتذته ، شغوفا بالعلم والمعرفة ، فتفوق على أقرانه التلاميذ ، مما حدا براعي الأبرشية أنذاك المطران يوسف غنيمة أن يخاطب البطريرك عمانوئيل الثاني بتاريخ 19 كانون الثاني 1926 أن يرسله الى كلية إنتشار الأيمان – البروبغندا – بروما لمواصلة دراسته ، إلا أن لأسياي خاصة لم يتمكن من السفر الى روما .

الكاهن : رسم كاهنا وبمعيته ميخائيل كني من كرمليس ، وعمانوئيل حداد من ألقوش على يد المطران يوسف غنيمة بتاريخ 16 شباط 1930 في مصلى الدير الكهنوتي بالموصل وسمى (بولس) في الرسامة الكهنوتية ، وكان المعهد الشرقي في روما قد طلب من البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني توما أن يرسل بعضا من الكهنة الشباب للقدوم الى روما لغرض الدراسات العليا ، فوقع الأختيار على القس بولس شيخو ، فسافر الى روما بتاريخ 28 أيلول 1930 بمعية المطران يوسف غنيمة ، فإلتحق القس بولس بالمعهد المذكور مختصا بالعلوم الشرقية ونال شهادة الدكتوراه في 9 كانون الثاني 1935 . عاد بعدها الى بغداد وعين مدرسا في معهد شمعون الصفا وبعد ثلاث سنوات عهدت إليه إدارة المعهد .

الأسقف : نظرا لحاجةالأبرشيات الى أساقفة ، قرر البطريرك أن يرسم أساقفة جدد ، فوقع الأختيار على ثلاثة كهنة هم رافائيل ربان ، إسطيفا كجو وبولس شيخو ، فتمت رسامتهم بتاريخ 4 أيار 1947 وتم تكليف المطران بولس شيخو بأبرشية عقرة وما أن إستقر فيه المقام حتى قام بتفقد أبناء رعيته المنتشرين في (عقرة ، خردش ، شرمن ، دينارتا ، كربش ، صناي ، بامشمش ، خرجاوة ، خربا ، كندك وقرى أخرى ... ) ، كانت حالة الكنائس في الأبرشية يرثى لها ، فجدد القديم ووسع الصغيرة منها وأشاد كنائسا جديدة في عقرة (1949) ودارا للمطرانية فيها ، خرجاوة (1952) ، خربا (1953) ، كربش (1955) ، ودارا للراهبات ، وجدد دير مار عبديشوع في قرية كندك . خدم المطران بولس شيخو أبرشية عقرة بكل همة ونشاط مدة عشر سنوات فعادت اليها الحياة بعدما كانت مهملة . وفي عام 1957 أصدر البطريرك يوسف السابع غنيمة أمرا بتعيينهمطرانا لأبرشية حلب في سوريا إلا ان المقام فيها لم يدم طويلا ، إذ دعي للحضور الى الموصل إثر وفاة البطريرك غنيمة في 8 تموز 1958 للأشتراك في مجمع الأساقفة لأختيار خلفا للبطريرك الراحل .

البطريرك : لم يكتمل النصاب في الأجتماع الأول بسبب الظروف السياسية في العراق آنذاك غداة ثورة 14 تموز 1958 ، وبعد أن استتبت الأمور عقد المجمع إجتماعا ثانيا في بهو البطريركية في الموصل بتاريخ 13 كانون الأول 1958 بحضور كل من المطران جبرائل نعمو (بيروت) ، المطران يوسف شيخو (سنا) ، المطران رافائل ربان (كركوك) ، المطران بولس شيخو (حلب والجزيرة) ، المطران أفرام زيا دشتو (أورميا وسلامس) ، المطران يوسف كوكي (البصرة) ، المطران سليمان صائغ (المعاون البطريركي في الموصل) ، المطران جبرائيل كني (المعاون البطريركي في بغداد) ، المطران توما ريس (زاخو) ، المطران رافائيل بيداويذ (العمادية) والمطران أندراوس صنا (العقرة) وأسفر الأجتماع عن إختيار المطران بولس شيخوخلفا للبطريرك الراحل وسمي (مار بولس الثاني شيخو) وبتاريخ 14 كانون الثاني 1959 صدر المرسوم الجمهوري برقم 41 يعترف بالبطريرك الجديد رئيسا أعلى للكنيسة الكلدانية في العالم . وحال تسلمه السدة البطريركية زار غبطته أبناء رعيته في منطقة الموصل والقرى النائية في شمال الوطن وإطلع على أحوالهم ، ومن ثم غادر الموصل في 19 آذار 1959 وتوجه الى بغداد حيث سيكون مقره الدائم بدلا من الموصل ، إذ ان بغداد كانت مستقرا لعشرات الألاف من رعايا الكنيسة الكلدانية وإزداد عددهم بشكل كبير بعد أحداث رمضان 1959 .

باني الكنائس : عندما قدم البطريرك بولس الثاني شيخو الى بغداد عام 1959 لم يكن للكلدانغير ثلاث كنائس ( كاتدرائية أم الأحزان في عقد النصارى ، مار يوسف في الخربندة - كرادة ، ومريم العذراء في كمب الكيلاني ) ومعبدان بدون كاهن (القديسة حنة في البوليسخانة ومار أفرام في الشالجية ) ، فشمر ساعد الجد وصمم أن يكون في كل منطقة يتواجد فيها الكلدان كنيسة ، فقد بنيت في عهده العديد من الكنائس في مناطق بغداد المختلفة ، نذكر منها : كنيسةالرسولين بطرس وبولس في الصالحية (1959) ، كنيسة العائلة المقدسة في البتاويين (1960) ، كنيسة العذراء سلطانة الوردية في الكرادة الشرقية (1961) ، كنيسة قلب يسوع – طريق بغداد الجديدة ( 1964) ، كنيسة مار يوسف شفيع العمال في المأمون (1965) ، كنيسة مار يعقوب في آسيا (1965) ، كنيسة أم المعونة الدائمة في بارك السعدون (1966) ، كنيسة إنتقال العذراء في المنصور ( 1966) ، كنيسة العذراء حافضة الزروع في البياع (1968) ، كنيسة مار كيوركيس في بغداد الجديدة (1969) ، كنيسة مار يوحنا المعمذان في الدورة (1970) ، كنيسة سيدتنا للقلب الأقدس في شارع فلسطين (1973) ، كنيسة مار بثيون في البلديات (1978) ، كنيسة الثالوث الأقدس في الحبيبية (1978) ، كما بنى العديد من المعابد والمصليات في مدن أخرى . كان غبطته حريصا أن تبنى الكنائس على الطراز الشرقي الأصيل مع إعطاء مسحة بابلية ونينوية لواجهاتها .

باني المدارس : لم يقتصر إهتمام البطريرك ببناء الكنائس فحسب بل كان إهتمامه أيضابتشييد المدارس بمخلف مراحلها لأبناء رعيته ، وهذه ببعض منها : مدرسة العائلة الأبتدائية في كرادة مريم ، مدرسة الفادي الأبتدائية في بغداد الجديدة ، مدرسة النقية الأبتدائية في الأمين ، مدرسة بابل الأبتدائية في البتاويين ، مدرسة الفارس الأبتدائية في بغداد الجديدة ، متوسطة وثانوية الأمل في السنك ، متوسطة وثانوية الفادي في الدورة . ومن إنجازاته المهمة شراؤه أرضا واسعة في منطقة الميكانيك (1962) وأشاد عليها بنايتين كبيرتين وجعلها ديرا كهنوتيا وبنى كنيسة في المجمع لأبناء المنطقة ، وأشاد ديرا آخر في منطقة الدورة . كان رحمه الله إضافة الى إنجازاته العمرانية والثقافية كان يولي عناية خاصة بالأيتام ، فجمع العديد من الأيتام المحرومين من حنان الوالدين وعطفهم فألحقهم بميتم الباتري بيير في منطقة السنك (أسسه الأب بيير الكرملي عام 1900) وبلغ عدد الأيتام في سبعينات القرن الماضي ما يزيد على المائة يتيم .

الأساقفة الذين رسمهم البطريرك شيخو – 19 مطرانا فهم كل من :

عمانوئيل ددي (أبرشية الموصل) (1960) ثم رئيسا للأساقفة (1967) ، عبدالأحدصنا (أبرشية ألقوش) (1961) ، إسطيفان بلو (أبرشية حلب) رسم في بيروت (1962) ، عمانوئيل دلي المعاون البطريركي (1963) ثم رئيسا لأساقفة كشكر (1967) ، جبرائيل بطا (ابرشيات تركيا) (1966) إستقال عام 1977 ، كوريال قودا (رئيس أساقفة كركوك) (1968) إستقال 1977 ، توما بيداويذ (أبرشية الأهواز) (1968) ، حنا عيسائي (أبرشية طهران) (1967) ، قرياقوس موسيس (أبرشية العمادية) ( 1968) ، إسطيفان بابكا (رئيس أساقفة أربيل) (1969) ، شموئيل شوريز (أبرشية الأهواز) (1972) ، حنا قلو (أبرشية العمادية) ( 1973) ، حنا مرقس (أبرشية زاخو) (1973) ، حنا زورا (أبرشية الأهواز) (1974) ، بولس قرة طاش (أبرشيات تركيا) (1977) ، إبراهيم إبراهيم (أبرشية أمريكا) (1982) ، جورج صراف (أبرشية القاهرة) (1984) ، يوسف توماس (أبرشية البصرة) (1984) ، توما هرمز (أبرشية أورميا وسلاماس) (1984) .

مجدد الأبرشيات : ومن الجدير بالذكر أن البطريرك شيخو قد أعاد بعض الأبرشيات الى الوجودبعدما أهملت أو إندثرت نتيجة للظروف السياسية أو الأمنية المتردية ، منها أبرشية ألقوش (1960) ، أبرشية الأهواز (1966) ، أبرشيات تركيا (آمد ، سعرت وماردين) (1966) ، أبرشية أربيل (1968) . كما أمربفتح أرساليات أو مراكز للرعية في مناطق تواجد الكلدان في العالم (كندا ، أستراليا ، كاليفورنيا) .

كان غبطته ناكرا للذات ، زاهدا بأمور الدنيا ، متمسكا بالفقر والبساطة ،حليما ، وديعا ، عاش عيشة بسيطة ، لم تبهره الزعامة أو الرئاسة يوما ، دافع عن أبناء أمته بحكمته وحلمه ، وكانت له أيام مشهودة وقت الشدائد .

توفي رحمه الله في بغداد في الثالث عشر من نيسان 1989 ودفن في كاتدرائية أمالأحزان في عقد النصارى ببغداد عن عمر ناهز 83 عاما ، وكان يوم تشييعه يوما مشهودا في بغداد .