منتدى كلداني

ثقافي,سياسي,اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالكتابة بالعربيةمركز  لتحميل الصورالتسجيلدخول
 رَدُّنا على اولاد الزانية,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة  رأي الموقع ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة
رَدُّنا على اولاد الزانية,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةقصة النسخة المزورة لكتاب الصلاة الطقسية للكنيسة الكلدانية ( الحوذرا ) والتي روّج لها المدعو المتأشور مسعود هرمز النوفليالى الكلدان الشرفاء ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةملف تزوير كتاب - ألقوش عبر التاريخ  ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةمن مغالطات الصعلوگ اپرم الغير شپيرا,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةدار المشرق الغير ثقافية تبث التعصب القومي الاشوري,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة

شاطر | 
 

 سكة القطار .... القس لوسيان جميل‏

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
maria
عضو متألق
عضو متألق







البلد البلد : العراق
الجنس : انثى
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1140
التوقيت الان بالعراق :
تاريخ التسجيل : 07/05/2009
مزاجي : اكل شوكولاتة

مُساهمةموضوع: سكة القطار .... القس لوسيان جميل‏   2010-07-20, 11:51 pm

سكة القطار .... القس لوسيان جميل‏

الثلاثاء, 20 يوليو 2010

اعزائي القراء!
ان ما سأقوله في هذا المقال مبني على فكرة معمقة، سواء بوجهها الفلسفـي ام بوجهها العلمي المحض.

وبما ان المقال موجه الى مختلف الشرائح التي تهتم بالسياسة خاصة، وليست لهم اهتمامات فلسفية او علمية عامة، فانـي جئت بصورة او بفكرة " سكة القطار" لتكون لنا عونا، او وسيلة ايضاح، نفهم من خلالها ما نريد ان نقدمـه للقراء الأعزاء في هذا المقال، ببساطة الأمثال، دون ان نتردد من وضع بعض مبادئ الفلسفـة والعلوم لتعميق المقال.

مثل سكة القطار:

عندما يدخل المسافرون الى محطة القطار قد يجدون في نهاية بعض القضبان الحديدية التي لا تمتد الى ابعد من تلك المحطة، ساترا اسمنتيا او ترابيا، مع دعامات خاصة مثبتة في نهاية السكة، لمنع القطار من الخروج خارج سكة الحديد. اما مثل هذه السواتر والدعامات فتعني بكل بساطة، ان القطار لا يستطيع ان يذهب ابعد من ذلك المكان، لأنه لم تعد له سكة خاصة به يسير عليها، حسب ما تتطلب طبيعة القطارات ذلك، سواء كانت هذه السكة سكة حديدية ام اسمنتية ام مغناطيسية ام هوائية. اما اذا خرج القطـار، بسبب حادث ما، عن هذه السكة وعن هذه الحدود، فان هذا القطار يتوقف تماما، هذا اذا لـم ينقلب ويسبب كارثة كبيرة.

لكل شيء طبيعة وقانون:

ولكن نسأل هنا ونقول:

ترى لماذا لا تستطيع القطارات ان تسير بدون سكة تمشي عليها؟

وببساطة نجيب ان سير القطارات خارج سكتها هو امر مناقض لطبيعة القطارات الأساسية ومخالف لتصميمها. ففي الواقع نحن نعرف ان لكل شيء فـي العالم قانونه الخـاص به، يعطي له وجوده الخاص( ماهيته ) ويوحده ويجمع فـي كينونته كل ابعاده الأخرى، لان الوجود، أي وجود، سواء كان ماديا ام روحيا، هو علاقة في نهاية الأمر، ولا يمكن الا ان يكون كذلك، وهو بالتالي نظام وقانون يرتب هذه العلاقة ويعطي لها ماهيتها وكينونتها الخاصة، مع سائر صفاتها الأخرى.

وهكذا، وبهذا المنظور المذكور، نحصل على منظومة تؤدي عملا يحوي معنى محددا. ولنقل مع مقال جديد للأستاذ الدكتور ضرغام الدباغ، اننا نحصل على منظومة معقولة، مـع تأكيدنا على ان مصطلح المعقول يحتاج بعض التوضيح، ولاسيمـا بين المعنى الفلسفي العـام للمعقول، والذي نجده في الفلسفة اليونانية (المعقول والمحسوس)، وبين معاني المعقول التي نجدها في الفلسفات المعاصرة واللغة الشعبية.

قانون للانسان وللمجتمع:

فاذا كان كل شيء بقانون، فـان هذا القول يشمل الكـون الكبير Macro cosmos الذي لا حدود عملية لحجمه، كما يشمل الكون الصغير Micro cosmos كأصغر بنى الوجود التي لم يعرفها العلماء الى حد هذا اليوم بشكل جيد. لكن هذا الكلام يشمل ايضا هذا الكائن الفريد الخاص الذي نسميه الانسان، والذي هو الآخر يسير بقانون ذاتي معقول ومفهوم ولا يسير عشوائيا وبرغبة دخيلة وخارجة عن ذاته، مهما كانت مقدسة. ولذلك دعِي هذا الانسان بالـ ميكروكوسموس او الكون الصغير، بمعنى انه يخضع للقوانين عينها التي يخضع لها الكون الكبير والكون الصغير. علما بأن ما يصح على الانسان يصح، وبشكل كامل وتماثلي Analogique على المجتمع الانساني ايضا.

قوانين جوهرية وقوانين عرضية:

وهنا، ومـن اجل تطبيق ما اتينا الـى ذكره اعلاه، علينا ان نميز بين ما يسمى في الفلسفة الارسطية الجوهر والعرض، أي بين مـا له وجود ذاتي ثابت ( كينونة ) وما له وجود معتمد على وجود آخر، او بالأحرى على كائن آخر. اما بتعبير آخر فنقول اننا علينا بان نميز بين ما يدخل في بناء الكائن كبعد اساسي فيه وبين ما هو مجرد اضافات عرضية لا تغير كثيرا من معنى الكائن، او بكلمـة اسهل نقول: اننا علينا ان نميز بين حاجات الانسان الانسانية الأولية العميقة ( الأنثروبولوجية ) وبين حاجاته الثانوية.

الحاجات الثانوية في حياة الانسان:

بعد هذا، وإذ نترك الكـلام مؤقتا عـن الجوهر ونبحث في الأعراض اولا Accidents ، أي في الحاجات الانسانية الثانوية، فإننا نقول بأن الانسان قد لا تحصل عنده كارثة عندما يحرم احيانا مـن بعض هذه الأعراض والحاجات الثانوية. غير ان فقدان الأعراض نفسها قد يصبح مؤذيا ومضرا وغير مقبول في حالة ازدياد هذا الفقدان ازديادا كبيرا، حتى وان لم يكن ازدياد الحرمان الا من حيث الكم وليس من حيث النوع.

قدرة الانسان على التعفف:

اذا كان الانسان غير قادر على تحمل الاستلاب في المسائل الجوهرية الانسانية العليا، فانه مقابل ذلك له قدرة كبيرة علـى التكيف مع بعض الحاجات الأقل اهمية، وبنسبة اهمية هذه الحاجات عينها، ونسبة واقعية أي انسان وقدرته على خفض سقف مطالبه وحاجاته الاعتيادية، علما ان الانسان يتعفف لأسباب متعددة، ولا يشترط فيها ان تكون جميعها اسبابا تعود الى الايمان الديني، لأن اقتناعات عديدة وظيفيـة ووطنية وعائلية قد تدعو البعض الى خفض سقف حاجاتهم الثانوية، مع تأكيدنا العلمي على قدرة بعض الناس على التعويض عن بعض الحاجات الثانوية في الحياة، او فلنقل على بعض الحاجات غير المطلقة في الحياة كأن يكون ذلك عن طريق العبادة بما يسمى التسامي، وكأن تعوض امرأة عن المجوهرات والحلي الغالية الثمن بحلي زجاجية رخيصة شبيهة بالحلي الغالية.

تعفف القديسين والمجاهدين:

وهنا اقول ان حياة القديسين والمجاهدين مع النفس والمجاهدين في سبيل الحق والحرية قد يتخلون عن كثير من الأمور الثانوية من اجل النجاح في مهمتهم. فهم يأكلون ما تيسر لهم وينامون حيث تقتضي رسالتهم ويبتعدون عن عوائلهم المدة المطلوبة من الرسالة ومن الدعوة الخاصة، هذا اذا لم يكونوا اصلا ناذرين ان يعيشوا لوحدهم بدون عائلة من اجل حريتهم الروحية والاجتماعية التي يكونون قد اختاروها ونذروا انفسهم من اجل التمتع بخيراتها.

الحاجات الانسانية العميقة:

غير ان حياة الانسان لا تعتمد على الأمور الثانوية والكمالية لوحدها بل هناك امور انسانية ما ان يحرم منها الانسان حتى يفقد انسانيته. فلو فقد الانسان، عيونه مثلا، بشكل كامل منذ الولادة فان انسانية هذا الانسان تتأذى كثيرا ويفقد كثيرا من انسانيته. اما اذا وجد انسان فقد منذ الولادة بصره وسمعه فحينئذ يكون قد فقد انسانيته ايضا، أي اننا في هذه الحالة سنكون امام حيوان غريب ليس الا. وقد يكفـي اللمس والشم ليعيش مثل هذا الحيوان، لكنه في كل الاحوال لن يكون انسانا. مع اننا نشك في قدرة مثل هذا المخلوق على العيش، لأسباب بيولوجية لا نريد ان نخوض فيها الآن.

فلماذا لن يستطيع مثل هذا الانسان الذي ولد بدون حاسة البصر والسمع ان يستمر في الحياة؟ نقول بوضوح: لأن الطبيعة لم تخلقه حيوانا بثلاث حواس منذ البداية، كما هو الحال مع بعض القوارض، ومنها حيوان الخلد الذي يعيش علـى حاسة الشم واللمس وحدهـا، وانما خلقته بحواسه الكاملة التـي تعرض بعضهـا للتلف وأنتج لنا بالتالي مسخا يخضع لقوانين اخرى، ليست قوانين انسان، لأن التلف الذي كـان قد تعرض له هذا الكائـن المسخ لم يكـن تلفا ثانويا، بل كـان تلفا اساسيا، يصعب معه علـى هذا المخلوق غير الطبيعـي، ان يستمر في الحياة.

في المجال الروحي ايضا:

غير ان ما ينطبق هنا في مجال الحياة البيولوجية ينطبق ايضا في المجال الروحي والأخلاقي الفردي والاجتماعي. ففي هذا المجال قد يحدث للانسان، سواء كان فردا ام مجتمعا، ان يقع في حالة يفقد فيها امورا مهمة: الكرامة الانسانية، الشرف، الحقوق التي لا تقبل التصرف، الاكراه على الخطيئة ضد الكرامة او العفة الجسدية والنفسية، الحرمان من الانتماء الاجتماعي، حيث يصبح الانسان وكأنه فقد وزنه وتوازنه معا، وأخيرا وليس آخرا، فقدان الأمن والأمان الحياتي والنفسي والاجتماعي. ففي هذه الحالات وفي غيرها الكثير يتعرض الانسان الى استلاب انساني حقيقي والى ضياع الانسانية بشكل رهيب، الأمر الذي حصل للانسان العراقي منذ الاحتلال والى يومنا هذا، اذا لـم نقل منذ ايام الحصار الجائر على العراق وعلى العراقيين. ففي الحقيقة ان ما حدث للانسان العراقي هو انتهاك لبنائه الانساني الفردي والاجتماعي، المادي والروحي علـى حد سواء. انه تعطيل للطبيعة التي خلق عليها، او وجد فيها، في كثير من ابعادها الأنثروبولوجية المكونة لإنسانيته. لا بل هو تدمير لهذا الانسان، الأمر الذي يشكل جريمة كبرى بحق الانسانية والإنسان، ارتكبها المحتلون من الخارج والداخل الذين تسببوا في هذا التدمير بروح اجرامية وعن سابق اصرار.

عودة الى مثل سكة القطار:

اما الآن فما قلناه بشكل برهاني وتنظيري نقوله بشكل رمزي ايضا، باستخدامنا مثل القطار والسكة، ليكون رمزا للعراق الذي انتهكت حقوقه وطبيعته الاساسية وقوانين بنيانه انتهاكا فضا على يد اناس فقدوا انسانيتهم وأصبحوا عبارة عن روبوتات مسلحة حتى الاسنان، لهم عقل يفكر وقوة تدميرية هائلة بيدهم تشيع الخراب اين ما وصلت يدهم وآلتهم العسكرية الشيطانية، لكي يصح المثل الذي يقول ان الشجرة تعرف من ثمارها وأن الاناء ينضح بما فيه. حقا لكن اثمرت اشجار جهنم ثمارا جهنمية مسمومة وقاتلة ونضح الاناء برائحة نتنة صدر عن اواني الشر والعدوان، بعد ان فقد المحتلون انسانيتهم وضميرهم، حتى توحشوا بشكل رهيب.

بعد سبع سنوات من الاحتلال:

وبما اننا لا زلنا في مثل القطار وسكته نود ان نلفت نظر الفراء الى ان هذا القطار لا زال غاطسا في وحل العراق ولم يستطع المحتلون ان يزحزحوه من مكانه قيد انملة، على الرغـم مـن قوة سائق القطـار ومهارته وأعوانه المشغلين والميكانيكيين ( الفيترجية ).

وبما ان الأمر هو هكذا فقد بقي المحتلون يحاولون ويحاولون ويسفكون دماء العراقيين من اجل تحقيق غاياتهم غير المعقولة وغير الشرعية، لكن كل محاولاتهم وكل جرائمهم باءت بالفشل. فقد حاول الأمريكان ان يدفعوا قطارهم نحو الشرق: ادفع ادفع ادفع... هوووب: القطار لا يتحرك. ادفع عمي نحو الغرب: ادفع ادفع ادفع... هوووب: لا فائدة. ولقد تم تسخير كل انصار العملية السياسية في الدفع، دون فائدة، ثم تم تسخير دول الجوار ودول الشرق والغرب، الأغنياء منهم والفقراء، ولكن القطار لم يتزحزح من مكانه. وقد حاول المحتلون ان يسخروا الشعب المسكين في عملية الدفع، عن طريق الرشاوى وعن طريق التضليل الاعلامي وعن طريق التخويف والترهيب، بأشكاله المختلفة، وعن طريـق اللجوء الى المشاعر القومية و**، وحتى عن طريق التلويح بالديمقراطية الكاذبة العزيزة على بعض الحالمين. لكن مجهود وتعب الجميع ، ودماء الجميع وآلام الجميع، وآمال الجميع ذهبت ادراج الرياح: القطار لا يسير لأنه ليس موضوعا على سكته الطبيعية، حتى لو لم يكـن بعد قد تدحرج الى هاوية.

ما كل مرة تسلم الجرة ايها القتلة:

فما فعلتم هذه المرة، ايها القتلة، لم يكن شيئا يعود الى طبيعة الانسان العرضية، ولا يعود الى حاجات الانسان الثانوية، بل هو شيء يعود الى كينونة الانسان والمجتمع التي ما ان يقترب غريب منها، حتى يحدث الانفجار. لذلك ترون كيف ان قطاركم ابى ان يتزحزح من مكانه. فانتم ايها اللصوص قد استوليتم بالقوة على هذا القطار وأردتم ان تسيروه بالضد من طبيعته، بعد ان انزلتموه من سكته الطبيعية، ولهذا فشلتم في قيادة هذا القطار فشلا ذريعا تستحقونه.

نعم ايها المعتدون القتلة

لقد سبق لكم ان نجحتم في اماكن كثيرة من العالم، بعد ان اعتديتم على هذه الشعوب، لكن حظكم، لكننا نقول لكن ان: ما كل مرة تسلم الجرة ايها العدوانيون. ذلك ان أعمالكم المناقضة مع طبيعة الانسان عندنا في العراق، جعلتكم تغوصون في وحل العراق بدون أي امل للخروج الى طريق السلامة.

لذلك نقول لهؤلاء العتاة والمصابين بعمى القلب جميعا، سواء كانوا امريكيين او عراقيين: بأن القطار لا يسير خارج سكته الطبيعية، مثلما لا تسير سيارة الأسقف ( المطران ) بالماء المبارك، ولا سيارة مرجعية من مرجعيات المسلمين بماء بئر زمزم المبارك، لأن طبيعة السيارة هي ان تسير بأحد الوقود المعروفة.

فلكل شيء طبيعته وتخصصه وآليته التي لا يمكن تجاوزها الا بقانون آخر بديل يفوق القانون الأول من حيث قدرته وفعاليته، وهو امر يحدث مثلا عندما يستطيع صاروخ بسرعة معينة وبقوة كافية ان يخترق قانون الجاذبية الارضية ويخرج من دائرة الجاذبية الى الفضاء الخارجـي. ولكـن هنا ابقى ضمن هذه البساطة ولا اتعمق اكثر خشية ان اتعب بعض قرائي.

مثال آخر:

قبل مدة، وفي احدى مقالاتي المشابهة لما اكتب الآن، كنت قد تكلمت عن القنبلة الذرية، وكنت قد قلت ان الانفجار الهائل والمدمر لهذه القنبلة يأتي نتيجة خرق تعسفي لقوانين استقرار ذرة بعض المواد غير المستقرة، عن طريق قوة كبيرة تسلط عليها، تفوق قدرتهـا على الاحتفاظ بتوازنها ووحدتها، فتنفلق الذرة وتحدث انفجارا كبيرا يسمونه الانفجار الذري.

قاعدة تسري على الانسان وعلى المجتمع:

اما هذه القاعدة المذكورة فتسري على الانسان وعلى المجتمع، بشكل تماثلي. فنحن نجد تغييرات تحدث في حياة الانسان وفي حياة المجتمع، وقد يحدث مع هذه التغييرات، ولاسيما الثورية منها، ما يعكر صفو هذا الانسان وهذا المجمع لمدة معينة، غير ان الأمور تعود الى حالتها الطبيعية، بعد ان يكون الانسان قد اكتسب حالة ايجابية جديدة، تماما كما يحدث للمراهق الذي تسوء احواله لفترة قصيرة لكي يعود الصفاء والاستقرار Stabilité الى نفسه، بعد ان يصير شابا يافعا.

اما ما حدث في حالتنا العراقية فهو شيء مختلف تماما، لأن ما حدث عندنا كان عدوانا خاصا خرق جميع القواعد والمحرمات. لقد حدث عندنا شيء مخالف لطبيعة الأمور تماما، كما يحدث عندما يراد تسيير قطار خارج سكته الطبيعية او يراد فلـق الذرة بقوة تعسفيـة تأتي بالضد من استقرارية هذه الذرة، لذلك نقول الآن ان ما عمله المعتدي الأمريكي وأعوانه هو انه تعرض لإنساننا العراقي ولبلدنا بشكل مغاير كليا لطبيعة العلاقات البشرية المقبولة والتي يمكن تحملها، لاسيما وان التدمير الذي صنعه المحتل في العراق كان على جميع المستويات وفي كل بنى وأبعاد الحياة العراقية. لذلك لا يمكن تشبيه ما جرى للعراق بما جرى لأفغانستان مثلا، ولا بما جرى لأبناء فلسطين، على الرغم من أننا نعرف ان ما جرى هناك كان سلسلة من الجرائم ضد الانسانية ايضا.

ففي الواقع، عندما تتجاوز اية جهة على ما هو انثروبولوجي ومكون لإنسانية الانسان، بالشكل الذي حصل عندنا، سواء كان فردا او مجتمعا، فان ما سيحصل هو ثلاثة امور: فإما ان يتم تدمير الانسان الذي وقع عليه العدوان من هذا الوزن ويتم سحقه حتى يفقد انسانيته، واما ان يثور هذا الانسان ويقاتل ويستشهد ويعطي الضحايا وينتصر، واما ان يعمل بحكمـة شمشون الجبار، الذي حطم البيت الذي كان مسجونا ومكبلا فيـه قائلا: علـي وعلـى اعدائي يا رب. فماذا ستكون نتيجة العدوان الأمريكي علينا يا ترى، وأية من هذه الاحتمالات الثلاثة او غيرها من الاحتمالات، سوف تقع عندنا؟ نقول: ان الزمـن هو الذي سوف يكشف لنا ذلك بالتأكيد. غير ان اهم ما نتمناه هو الفشل الكامل للمحتل ولمشاريعه ولأطماعه ولجميع حلفائه القدماء والجدد: ان شاء الله.

اسباب الخراب الواقعية:

لقد تكلمنا الى حد الآن عن المبادئ التي تسببت في تعطل قطار العراق وفشل المحتلين في خلق عراق جديد يلبي احتياجاتهم، غير اننا لم نقل الـى حد الآن من جر المجرمين الى قرار الاحتلال الخطير المتناقض مع حقوق طبيعة الانسان التي لا تقبل التصرف، في حين كان يجب ان يعرف أي رئيس عاقل وسليم الضمير مدى التضحيات التي يحتاجها مثل هذا الاحتلال، حتى لو كان المحتل قد مهد لاحتلاله بجرائم اخرى وفي مقدمتها جريمة الحصار.

لذلك نسأل ونقول:

ترى هل هي العولمة وشرورها التي اغرت الادارة الأمريكية على هذا القرار الشنيع؟ وهل هو جنون العظمة عند السيد بوش الذي ادى به الى مثل هذا القرار المتوحش، مثلما حدث للإمبراطور نيرون الذي احرق روما لكي يتلذذ بنيرانها ويتهم المسيحيين بإحراقها؟ وهل هي العنجهية التي جعلت السيد بوش يعتقد انه يمكنـه ان يغير نظام حكـم بأيام قليلة ويرتاح من العروبة ومن اصحابها الى الأبد، وهل هو الثأر والانتقام من التأميم الذي شجع السيد بوش على ارتكاب هذه الحماقة، كما يقول بعض المحلليـن؟ نقول: قد تكون كل هذه الاسباب واردة، لكننا نعتقد ان عمى القلب والضمير والوجدان الذي وجدناه عند الادارة الأمريكية وعند رئيسها قبل وبعد الاحتلال، وكذلك اخلاق هؤلاء الناس الشريرة دفعت بهم الى ارتكاب جريمة العصر في العراق، هذه الجريمة التي كسرت ظهر وعظم المعتدين، في الوقت نفسه الذي دمرت فيه العراق من جميع الأوجه.

ويقينا ان النفس الشرير الذي كان يسكن جسد وروح المحتلين هو نفسه الذي جعلهم يختارون، او يقبلون بمتعاونين، لم يكونوا مخلصين: لا مع انفسهم ولا مع وطنهم، ولا مع المحتل نفسه، فهؤلاء في الواقع لم يكن بإمكانهم سوى ان يهتموا بأنفسهم ومصالحم، وطموحاتهم غير المشروعة، فضلا عن اشباع احقادهم، حتى صار هؤلاء مكروهين لدى الشعب العراقي ومرفوضين منه، وصاروا بالتالي عبئا على المحتلين انفسهم، وعلى عمليتهم السياسية المشؤومة التي نراها اليوم في حالة لا يحسدهم احد عليها.

ففي الواقع صار الاعوان مكروهين من الشعب العراقي لأنهم لم يقدموا لهذا الشعب غير الدمار والموت. وصاروا مكروهين من محبي الوطن ومن الرافضين للاحتلال، لان المتعاونين مع المحتل يصبحون منبوذين من الوطنيين في جميع بلدان العالم، حيث لا تبرئهم اية حجة او ذريعة. كما ان هؤلاء المتعاونين صاروا ادوات تصفية وقتل للوطنيين، نيابة عن انفسهم وعن المحتل الأمريكي.

اما المحتل نفسه فقد خاب ظنه في الجميع، لأن الجميع لم يكونوا بمستوى ما كان ينتظر منهم هذا المحتل. فقد انقضت سبع سنوات، وعلى الرغم من كل العون المادي والعسكري السياسي والإعلامي وال مخابراتي الذي تلقاه المتعاونون مع المحتل، لم يستطيعوا ان يوجدوا يوما واحدا في حياتهم يمكنهم ان يقولوا فيه: نعم اليوم توجد لدينا حكومة، وتوجد لدينا سيادة. اما اليوم وبعد الانتخابات الأخيرة فقد خيب المتعاونون مع المحتل ظن ولي امرهم، لأنهم لم يستطيعوا ان يشكلوا ولو حكومة صورية يستطيع المحتل ان يتباهى بها وتقر بها عينه، لا اقر الله عين المحتل في اية بقعة من عراقنا الحبيب، ولا اعين اعوانه الذين تسببوا، ليس فقط بدموع الشعب الغزيرة، ولكن ايضا بدماء لم ينقطع سيلها يوما، من شمال العراق الى جنوبه ومن شرقه الى غربه.

الخاتمة:

وبما ان امر المحتل والمتعاونين معه هو هكذا نقول: قد تتشكل الحكومة عن قريب بعد انتظار طويل، غير ان قطار هذه الحكومة سوف يبقى قطارا معطلا، لن يتزحزح من مكانه، حتى يعاد الى سكته القديمة، ويا دار ما دخلك شر. ولكن في الانتظار نقول في نهاية هذا المقال: ان السيد الأمريكي يستطيع ان يدمر دولا، ويستطيع ان يصنع نصرا عسكريا، ولكنه لا ولن يستطيع ان يجبر شعبا على الركوع لهيمنته الشريرة مهما طغى وتجبر.

القس لوسيان جميل
تلكيف- محافظة نينوى- العراق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سكة القطار .... القس لوسيان جميل‏
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى كلداني :: 

مقالات بآراء اصحابها
 :: كتابات ومقالات متفرقة

-
انتقل الى: