منتديات كلداني

ثقافي ,سياسي , أجتماعي, ترفيهي
 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالكتابة بالعربيةمركز  لتحميل الصورالتسجيلدخول
 رَدُّنا على اولاد الزانية,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة  رأي الموقع ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة
رَدُّنا على اولاد الزانية,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةقصة النسخة المزورة لكتاب الصلاة الطقسية للكنيسة الكلدانية ( الحوذرا ) والتي روّج لها المدعو المتأشور مسعود هرمز النوفليالى الكلدان الشرفاء ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةملف تزوير كتاب - ألقوش عبر التاريخ  ,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةمن مغالطات الصعلوگ اپرم الغير شپيرا,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورةدار المشرق الغير ثقافية تبث التعصب القومي الاشوري,,لقراءة الموضوع اكبس على الصورة

شاطر | 
 

 من داخل القمقم./طلعت ميشو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كلداني
(داينمو الموقع)
(داينمو الموقع)







البلد البلد : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 4543
التوقيت الان بالعراق :
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
مزاجي : احب المنتدى
الموقع الموقع : في قلب بلدي المُحتَل
<b>العمل/الترفيه</b> العمل/الترفيه : طالب جامعي

مُساهمةموضوع: من داخل القمقم./طلعت ميشو   2013-07-18, 10:30 pm

19.07.2013

من داخل القمقم.

سيرة ذاتية.


تقول الحكمة: "العين التي لا تبكي هي العين التي لا تبصر".


ليس هناك شيئ يستطيع بناء شخصية الطفل في السنين العشرة الأولى من حياته أكثر من ثنائي الأم والمعلم، وكما يقول الشاعر: "الأمُ مدرسة إذا أعددتها أعددتَ شعباً طيب الأعراقِ". وللأسف الشديد كان العراق وما زال بعيداً ومتأخراً بمراحل عن إعداد هذا الثنائي الرائع بصورةٍ مرضية، لِذا رأينا تعاقب أجيال الخيبات والتداعيات لأننا خططنا وبنينا المستقبل بصورةٍ مغلوطة وعلى رمال وليس على ترسانة كونكريتية مدروسة ومُخطط لها بدقة متناهية كما فعلت بعض الدول الذكية المتحضرة.

يقول المثل الشائع: "خلف كل عظيمٍ إمرأة "، ولا أعتقد أن صاحب المثل كان يقصد الزوجة أو الحبيبة كما يتخيل البعض، حيث أنه في العمر الذي يلتقي فيه الرجل بحبيبته تكون شخصيته قد إكتملت نوعاً ما، ولو كان (طرطوراً) على سبيل المثال فليس بمستطاع أية حبيبة أن تجعله عظيماً، لهذا أعتقد أن المرأة التي تقف خلف عظمته هي الأم ولا أحد غيرها، إلا في حالاتٍ نادرة. فالأم هنا هي المدرسة الأولى بلا شك، وبعدها تأتي المدرسة التقليدية بمراحلها المعروفة والتي هي الأساس الكبير "العلمُ في الصغر كالنقش على الحجر"، وخاصةً في مرحلة المدرسة الأبتدائية.
تأتي المدرسة لتستلم هذا المشروع الكبير المهم (الطالب) من أحضان الأم مباشرةً، فتصقل وتُطوِر وتُشذِب وتُهذِب وتُلمِع وتُنَمي وتُوَجه وتُعلِم وتبني، ومن آلاف المشاريع المهمة هذه (الطلبة) تتكون طلائع الأمة وترسانة المستقبل، وإذا لم يكن المعلمين -وخاصة في المدارس الأبتدائية- بالمستوى المطلوب، كان مردود المشروع ربما صفراً أحياناً، وكلما إزداد عدد الأصفار شَحب وجه الأمة وتهالك جسدها وضَعفت مناعتها. وما أكثر الأصفار في بلداننا الشرقية.

شاهدتُ في التلفزيون الأميركي قبل فترة (american teacher award)، برنامج جائزة أحسن معلم/ة في أميركا، حيث تم تقديم مجموعة كبيرة من المعلمين بعد تصفيات كثيرة مسبقة، وتم عرض فلم قصير عن طريقة تعليم كل منهم وتبيان إجتهاداتهم الشخصية وأساليبهم الذكية في سبيل تطوير الطلبة ودفعهم نحو الأحسن وكلٌ في حقله.
في النهاية فاز بهذا الشرف الرفيع -على عموم أميركا- معلمة في أحدى مدارس المعوقين، وكانت قد أبدعت حقاً في إجتهاداتها وإبتكاراتها الشخصية لتطوير عملها من أجل فائدة طلبتها المُعَوَقين.
ولأن الحكمة تقول : "نعثر على المستقبل من خلال الماضي" ، فقد أعادني هذا البرنامج في تلك الليلة الى أيام وذكريات الماضي البعيد، يوم كنتُ طفلاً يافعاً في المدرسة الإبتدائية في بغداد العراق، والحق لم أكن مقارناً فقط بين الماضي والحاضر، بل متألماً الى درجة الخجل من واقع مؤسف ومؤلم ومُخجِل عشناه في طفولتنا رغماً عَنا، إذ تشاء الصدف إنني لم أكن طالباً في مدرسة تتعهدها هيئة تدريس كفوءة ومتمكنة من عملها.
ورغم ذلك تذكرتُ المعلمين الجيدين -على قلتهم- الذين بذلوا كل ما في وسعهم لتعليمنا وتهيئتنا وتعبئتنا للمستقبل، وقد كانوا حقاً بمستوى المسؤولية يومها.
وكما يتواجد الذهب بنسب صغيرة ممزوجة مع الحجارة الرخيصة في مناجمه وعروقهِ، كذلك كانت نسبة المعلمين الجيدين في مدارس العراق وعلى طول إمتداد القرن العشرين ولأسباب كثيرة أهمها تفشي الفقر الثقافي، وخضوع المعلم للثوابت والتشوهات والعادات الإجتماعية والدينية المتأخرة العقيمة في بلد متخلف، كذلك عدم تهيئة وتدريب المعلمين بصورة مدروسة ودقيقة لهذه المهنة الخطيرة التي أعتبرها أهم مهنة في أي مجتمع إنساني متحضر، وبرأيي الشخصي فإن معلم الأبتدائية يجب أن يكون حاصلاً على تعليم وخبرة وتدريب وشهادة وممارسة أكثر من أستاذ الثانوية، وأن يكون راتبه أكثر بكثير من معلمي بقية المراحل الدراسية، لأنه هو من سيرسم الخطوط العريضة الأولى المهمة والأساسية في شخصية الطفل .. مواطِن المستقبل.
وكم كان أحوجنا يومذاك الى معلمين محترفين ومتحضرين فكرياً ومتفانين في زمنٍ كانت مداركنا من السذاجة بحيث كنا نعتقد أن طن الحديد أثقل بكثير من طن القطن!، وأن فريد الأطرش هو أطرش حقاً ويأتي يومياً ليغني في دار إذاعة بغداد ومن ثم يعود أدراجه الى مصر!، كذلك كنا نظن أن الملك لا يتمرحض كبقية البشر!!.

كان بعض المعلمين السلبيين الجهلة لا يعرفون الراحة النفسية إلا عن طريق التنكيل بالطلبة المساكين الذين كانوا حقلاً لتجاربهم وعُقدهِم النفسية، يفرغون في الطالب كل ردود فعلهم ونقمتهم وخيباتهم الحياتية وعقمهم الأجتماعي ومشاكلهم البيتية وإنكساراتهم الحياتية!.
كان من السهولة جداً لأي معلم أن يتحول الى عقدة نفسية مدمرة في وجدان وذاكرة وضمير الطالب المسكين، والى كابوس يطارده طوال حياته ربما !!.
وغالباً ما يكون الطالب (الضحية) من عائلة فقيرة الحال، أو بدين أو بليد أو قبيح الوجه أو خجول أو مخنث أو مصاب بعاهة أو لثغة، أو من دين أو قومية أو طائفة أو لون مُختلف. لم يكن يعرف الحقيقة الكبيرة غير قلائل من المعلمين … وهي أن هذا النوع من الطلبة كانوا بأمس الحاجة الى المساندة والأهتمام والتفهم والمساواة والرعاية والعدالة الإجتماعية، ولكن ... "لا تسير الرياح كما تشتهي السفن" ..... كما يقول الشاعر.

في المدرسة الأبتدائية (مدرسة الحرية الإبتدائية في منطقة "سبع قصور" الكرادة الشرقية بين البوليس خانة والزوية) كان مدير مدرستنا واحداً من أعتى مدراء ذلك الزمن، ومما زاد في شراسته وإستقوائه وعدوانيته هو ضمانهِ لوظيفته بسبب قرابته لوزير قوي متنفذ.
كان يحمل شخصية (بيوقراطية) متعجرفة يتصور -ربما- من خلالها بأن سلطته منبعثة من سلطة الله أوإمتداداً لها، ولستُ مُبالغاً.
كان إسمه الأستاذ (بهجت)، وكنيته بين الطلبة (صِكَرْ) -بالكاف الفارسية- أي صقر، حيث كان تهديده المفضل دائماً: (والله لا أصكركم صَكِر).
كان لهذا المدير عصا مغلفة بالجلد الأسود يُسميها (الحجية)، يجلد بها راحة أيدي الطلاب المعاقَبين في الأيام الشتائية الباردة أثناء الأصطفاف الصباحي في الساحة المكشوفة للعراء داخل سياج المدرسة، ثم يأمر الطالب المُعاقب بخلع ملابسه (النصف العلوي) ليبقى هكذا مُعاقباً ومرتجفاً برداً وألماً طوال فترة الأصطفاف الصباحي والتي يتخللها أحياناً تفتيش النظافة والهندام وقص الشعر والأضافر وترديد الأناشيد والقصائد المعصومة وإلقاء المواعظ الكلاسيكية الفارغة المستوردة من البلاد المتحضرة والتي لا تتطابق أو تتماشى بأي شكل من الأشكال مع أخلاقيات وممارسات وسياسة المدرسة وهيئة التعليم!.
أما بقية المعلمين فقد حذو حذوه وأخذوا عصيهم الى رقاع المحلة الذي غلفها لهم بالجلد الأسود!، وكما يقول المثل العربي:"بال حمارٌ فأستبال أحمِرَة"، أو كما يقول المثل الأميركي: monkey see monkey do.
كان الأستاذ بهجت يتجول بيننا بغطرسة بالغة كالطاووس أثناء الأصطفاف الصباحي. يديه خلف ظهرهِ، ورأسه مرفوع بطربوشه العثماني الذي كان يحرص على لبسه في الأصطفاف الصباحي فقط، وكان يردد بصوته الحاد النبرات قول الحجاج بن يوسف الثقفي: "أنا إبنُ جلا وطلاع الثنايا …. إذا رفعتُ الحجية تعرفوني".
لحد اليوم لم أشاهد شخصية حياتية تقاربه في الشبه خلقةً وأخلاقاً غير شخصية (مدير السجن) في فلم (سجين الكاتراز) والذي مثل دور السجين فيه الممثل الشهير (كلنت إيستود).
ربما كان الأستاذ بهجت يريد أن يُربي ويُخَرِج جيلاً من المخصيين إجتماعياً ونفسياً حين كان يتفنن في خلق الطرق الخبيثة للحط من قيمة الطلاب وإذلالهم وكسر شموخهم ومعنوياتهم وتدميرهم نفسياً!، ولا أشك أبداً أنه نجح في تهشيم الكيان النفسي للكثيرمن الطلبة!.
أقذر وأحط طرقه تلك كانت تجاهله لتوسلاتنا وطلبات أهالينا المكرورة الملحاحة من أجل نزح مراحيض الطلبة الممتلئة الخزان، بينما كان هو يتمتع وهيئة المدرسين وبعض طلبته المدللين بمراحيض خاصة ونظيفة في بناية الأدارة!.
كان يستكثر علينا حتى حقنا في التمرحض كالبشر!، ربما كان يعتبره ترفاً!!، لأنه كان يُذكرنا دائماً بأن الوطن بحاجة الى (زلم خشنة) على حد تعبيره، وكان يزعق في مسامعنا كل صباح بالحديث النبوي "إخشوشنوا فأن الترف يزيل النِعَم"!! وكأن حبس الغائط في جسد الطلاب سيؤدي بالتالي الى خشونتهم وفحولتهم!! .
وكغيره من المسؤولين في طول البلاد وعرضها كان يحاول تطبيق تعاليم وأحاديث وثوابت إجتماعية ودينية وحياتية بطرق سلبية مغلوطة وقمعيةغرضها أو نتيجتها التنكيل بالضعيف!!.
كانت ساعات الدراسة تبدو أطول … وتمر على بعضنا بألم ونحنُ بين حاقنٍ (الذي يحبس بوله) وحاقب (حابس الغائط)، وأذكر هنا ملاحظة رائعة كنتُ قرأتها في كتاب (مدارات صوفية) للراحل هادي العلوي البغدادي يقول فيها: (أن الأسلام كان قد نهى القضاة عن ممارسة القضاء وهم حاقنون، لأن هذا يُربك أحكامهم ويُعرضها للخطأ)!، فكيف بطلاب صغار في الأبتدائية ولعدة ساعات في اليوم؟!!، حيث كان ذلك يسبب عرقلة في تفكيرنا وتركيزنا لمادة وموضوع الدرس، وكثير منا كان يتبول ويتغوط أينما إتفق و(بالختلة). أحد الطلبة تغوط داخل الصف الدراسي أثناء تواجد بقية الطلبة في ساحة المدرسة أثناء فترة الدقائق العشرة بين حصةٍ وأخرى!. البعض الأخر كان يتسلق سياج المدرسة الى الجانب الأخرحيث تقع بساتين النخيل (ليعملها) ويعود بسرعة البرق قبل أن يكتشفوا جريمته المُنكرة!. وقد عوقب الكثير من الطلبة الذين تم القبض عليهم متلبسين بالجرم المشهود!!، كذلك تم إرسال الكثيرين الى بيوتهم قبل إنتهاء الدوام الرسمي .. يأكلهم خجلهم لأنهم فشلوا في سباق الماراثون لأطول مدة ممكنة لحبس الغائط !!، أنا وأخي الكبير كُنا نمتنع عن تناول وجبة الفطور في البيت كي لا نضطر لأستعمال المراحيض خلال ساعات الدوام المدرسي، وكان الجوع مؤلماً أيضاً.
كانت كل شكاوي الأهل وتهديداتهم الشفهية والتحريرية لأدارة المدرسة ووزارة المعارف تمر عبر "الى حيث ألقت رحلها أم قشعم".

زار مدرستنا ذات يوم مفتش وزارة المعارف ِضمنَ زياراته التفقدية السنوية للمدارس. وأثناء الأصطفاف الصباحي راح يسألنا عن أحوالنا ويتفقد راحتنا وإحتياجاتنا، أحد الطلبة (الوكحين نوعية بايع ومُخلص) جازف بمستقبلهِ الدراسي في مخاطبة المفتش العام، كان أكبر منا حجماً وعمراً لأنه من المخضرمين بسبب سقوطه كل سنة في إمتحان البكالوريا للصف السادس المُنتهي، حين قال لحضرة المُفتش وبطريقته الذكية الخاصة بأننا جميعاً بخير وعافية وفرحين ولا يعوزنا أي شيئ أبداً (بصاية الله وصاية السيد المدير)، والذي سماه (صقر الحق)، وأعقب: لكننا ياسيدي المفتش لا نمانع لو أصريتم مشكورين على فتح المراحيض بعد نزحها وتنظيفها، ولا نمانع كذلك في الحصول على الكتب الدراسية التي تقررها لنا مجاناً وزارة المعارف في بداية السنة الدراسية، وسأعمل جاهداً على منع أي طالب يرفض وجود الصوبات -مدافئ- النفطية المتنقلة لغرف الدراسة الباردة، كذلك ومن باب الأدب والأصول والطاعة سنقبل ما تقرره الوزارة من (لابجينات وطوبةـ جمع لابجين وهو حذاء لعب كرة القدم) للفريق الرياضي لكرة القدم، كذلك لن نمانع أبداً لو أحببتم إرسال معلم مُختص في اللغة الأنكليزية لتدريس الصف الخامس والسادس حيث سيتم إمتحاننا في نهاية السنة باللغة الأنكليزية إن إتقناها أم لا، ونحنُ بالكاد نعرف ال ( A.B.C.D ) .
كانت إبتسامة عريضة جداً قد إرتسمت على شفاه المفتش بعد أن إلتقط رسالة الطالب المشفرة، ثم أعقب وبطريقة ساخرة قائلاً بأن أحوالنا تشبه أحوال عشيرة شمر التي يقول فيها المثل "إنها بخير ولا تعاني إلا من شحة الخام والطعام وقلة الخرجية" ، ثم رمق مدير المدرسة بنظرة لَوم وعتاب فاضحة.
بعد أيام تم فتح المراحيض ونحنُ بين مهلل ومكبر، وقد أحسسنا بالترف الحقيقي الذي كان يقصده الأستاذ بهجت، وبدأنا أخي الكبير وأنا نستمتع بوجبة الفطور قبل ذهابنا الى المدرسة كل صباح، وقام طلبة الصفين الخامس والسادس بأكتشاف مجاهل وغابات اللغة الأنكليزية بقيادة معلم الرياضة الذي كان يجهل حتى أصول وقواعد اللغة العربية!!. أما بقية طلباتنا فقد نُسِبَت الى قائمة الكماليات والبطر!!.

كان الأستاذ بهجت أبيض البشرة أحمرها، ذا أنفٍ أقنى وعينين سوداوتين منطفأتين كعيني سمك القرش، طويلاً نحيفاً نزقاً إنضباطياً حاد المزاج والصوت وأنيقاً جداً في ملبسه، كانت صفاته أقرب الى صفات الضابط الأنكليزي منها الى المعلم العراقي.
كان لئيماً بالفطرة وبدون تكلف!، وطالما إستهدف بلؤمه الطلاب الفقراء من أبناء الكسبة الصغار والفلاحين المُملقين والعوائل المسحوقة طبقياً وإجتماعياً وحياتياً، بينما كان يتودد لدرجة الأذلال والملق لكل إبن غنى أو مركز أو جاه، تماماً كما يقول أبو حيان التوحيدي: "ما تعاظم أحدٌ على من دونهِ … إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقهِ".

كان (سمير) وهو أحد الطلبة وإبن ضابط كبير في الجيش الملكي يومذاك محط إهتمام وحب وتملق المدير والهيئة التدريسية وحتى غالبية الطلبة.
كان سمير يرفع العلم كل يوم سبت أثناء الأصطفاف الصباحي، وهو الذي يردد الأناشيد والقصائد، وهو مراقب الصف وفارس الصف والمسؤول عن الحانوت المدرسي، ودائماً وأبداً الأول على الصف!، ولم نكن نعرف هل كان ترتيبه الأول دائماً لتفوقه وإجتهاده حقاً أم لمجاملة إجتماعية لإرضاء السيد الوالد؟!. وحتى لو كان لأجتهادهِ الشخصي ... فلم لا؟ وكل الظروف الأيجابية تحيط به وترعاه وتحَضِرُهُ ليكون سيداً على أقرانه في المستقبل بشكلٍ من الأشكال وبصورة من الصور، فمجتمعنا العراقي والعربي كانا وما زالا يُحَضِران دوماً لدراما الحاكم والمحكوم والظالم والمظلوم والراكب والمركوب.
وطبعاً في كل صف من الصفوف وكل مدرسة من المدارس كان هناك (سمير) بأسم مختلف، و كما يقول المثل العراقي: "ماكو زور يخلة من واوي".
وبعكس كل هذا الحب والدلال والأهتمام كان الأستاذ بهجت يعادي بإصرار وشدة الكثير من الطلاب المغضوب عليهم وبصورة علنية ومُستهجنة ومُلفتة للنظر. وكان جزء كبير من عدائهِ قد إنصب على رأس طالب مسكين نسيتُ إسمه الحقيقي لأن السيد المدير كان دائماً يكنيه تحقيراً وإزدراءً بأسم (باروخ)، وباروخ إسم يهودي يقابله في العربية إسم (مبارك) وفي الآرامية إسم (بريخو أو بريخة)، وليس مثل العرب والعراقيين أناسٌ يستهويهم التنابز بالألقاب !!.
كان باروخ هذا طويلاً نحيفاً بهزال، دميماً تحتل وجهه عدة ثآليل (فالول) كبيرة، رث الثياب يلبس طوال موسم الدراسة لباس الرياضة الأسود القصير مع ثوب مخطط وبلوزة صوفية فقدت لونها الأصلي ومثقوبة ومهترئة عند العكسين. كان لباس الرياضة الأسود -صنع بيتي- هو لباس أغلب الطلبة الفقراء يومذاك وربما لحد اليوم !!.
كل تلك الصفات جعلت باروخ موضع تندر وتسفيه المدير وهيئة التدريس وإنتقلت العدوى الى غالبية الطلبة الذين كانوا يتحلقون حول باروخ وهم يهزجون (سمير فوك المنارة ... وباروخ جوة الطهارة)، وهو أمرٌ مُحزنٌ حقاً ومؤسف عندما ينقلب المرء ضد صنوهِ وشبيههِ تعاطفاً مع القوي المُهيمن!!!. ولم يكن هؤلاء الصغار يمثلون بعملهم الجاهل ذلك إلا مجتمعاتهم المتخلفة وذويهم في قعر السلم الإجتماعي الخاضع تماماً لهيمنة القوي.
ذات يوم تشاجر باروخ مع طالب آخر وضرب أحدهما الأخر، كان أمراً إعتيادياً يحدث بين الطلبة كل يوم وهم يتناقرون كما تتناقر الديكة، ولكن باروخ لم يكن محبوباً من قِبَلِ آلهة المدرسة، وكما يقول المثل العراقي العامي: "مكروهة وجابت بنية" !!.
في الأصطفاف الصباحي لليوم التالي ظهر الصِكَر وبيده "الحجية" التي كانت نذير شؤم دائماً. وقف الصكر وسط الساحة وبأعلى صوته راح يُلقي على أسماعنا محاضرة في التربية والمُثل العليا والوطنية ومكارم الأخلاق!، فكان بالضبط "كتلك العاهرة التي تحاضرفي الفضيلة". بعدها راح يُسَوِدُ تأريخ باروخ المدرسي، ناعتاً إياه في نهاية قائمة الأتهامات بالغباء والكسل والفوضوية والقباحة!!، تماماً كما تُتلى الأتهامات قبيلَ تنفيذ حُكم الأعدام.
وكما في الأفلام السينمائية، كانت هناك دقيقة صمت متعمدة لأشاعة الرهبة فينا، كان السيد بهجت خلالها يُشمرُ عن ساعديهِ بطريقة ذكرتني بوالدي وهو يُشمر عن ساعديهِ كلما ذبحَ بعض دجاجاته أيام الأعياد والعطل الرسمية!.
بعدها نوديَ على إسم باروخ الذي تقدم وهو يسحل خطواته المتباطئة وفي عينيه نصف المفتوحتين حزنٌ شفيفٌ يشبه غُبش صباحات الخريف.
تقدم ذلك الكائن الموجوع بتثاقل، ولن أنسى ما حييتُ وجهه الحزين وعينيه المتوسلتين وهو يرمقنا من تحتِ حاجبيه طالباً عوناً لم نكن نملكهُ، تقدم خطوات أخرى على مهل وكأنه يريد أن يوقف الزمن ورأسه مطأطئاً لا يتجرأ على رفع نظراته إلى أعلى، ثم وقف أمام السيد المدير الذي طلب منهُ أن يبسط راحتا يديهِ لينال عقابه.
مرت فترة صمتٍ ثقيلة إمتنع باروخ بعدها أن يأتَمِر، شبك ذراعيه فوق صدرهِ وهو يهز رأسه رافضاً يميناً ويساراً، وإنفجرت دموعه الحبيسة وعلا نشيجه المتقطع القادم من عمق تداعياته وتوحده وخوفهِ من المستقبل والنتيجة المجهولة الحجم أمام قطيع الذئاب. كان يعرف تماماً ما هو مقدمٌ عليه، وأعتقده كان قد قرر مع سبق الأصرار وقف تلك الأجتياحات الملحاحة لكيانه الأنساني وكرامته المثقوبة المُهانة بلا سبب، كانت قد ركَبَتهُ حالة من العِزة رغم علمهِ المُسبَق بحجم الخسارة التي ستُلحَق بهِ، وكان يبدو مُصراً على صعود الصليب رافضاً أن يحني رأسه مرةً أخرى، وكما يقول جبران خليل جبران:
((وفي الزرازيرِ جبنٌ وهي طائرةٌ ……… وفي البزاةِ شموخٌ وهيَ تحتضرُ)).
وبأعلى صوته صرخ السيد المدير ووجهه يتمعر غضباً: هم أكو واحد منكم
يلومني؟، ثم إنهال بالحجية على جسد باروخ الذي راح يحمي وجهه بكلتا يديهِ، وبعد لحظات من المقاومة ثارت ثائرته وبدا كمَّن فقد رشده وهو ينتزع العصا من يد المدير ويقذفها بقوة خارج سياج المدرسة ثم يُهرول مُسرعاً الى باب المدرسة الخارجي وهو يصرخ بمرارة كحيوانٍ جريح مغادراً المكان الى الأبد!.
لأكثر من دقيقة لم يكن يُسمع في ساحة الأصطفاف غير صوت بكاء الطلبة الصغار العمر وهم يشهقون كمَّن شرق بماء، أما المدير فكان يقف لاهثاً مذهولاً يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة!!، ربما كان آسفاً لأنه لم يتمتع تماماً بالبطش في الضحية الهاربة من بين يديهِ!.
في اليوم التالي صدر قرار الهيئة التدريسية بطرد باروخ لما تبقى من السنة الدراسية، ولم يقم أي من الطلبة بالتعليق على الحادث ككل، كُلنا كُنا نحس بتأنيب الضمير وإننا جميعاً شاركنا بصورة من الصور في رسم المستقبل المظلم للمسكين باروخ.
إشتغل باروخ في معمل الثلج القريب من المدرسة، ورفض بشدة بعد تلك الحادثة أن يُكلم أو يحيي أي طالب ينتمي لمدرستنا، وفي السنوات التالية للحادث كان الصمت المطبق رفيقاً لباروخ، حتى مع ذويهِ كما قيل لنا، فالجروح العميقة تحتاج الى زمنٍ طويل كي تلتئم، وربما يمكن لبعض الناس أن يُسامحوا لا أن ينسوا.
وإن كانت جروحي النفسية التي سببتها تلك الحادثة لم تلتئم بعد رغم مرور عشرات السنوات، فكيف بالحري جروح ذلك الأنسان الضحية ..... باروخ ؟!!.

اليوم وبعد أكثر من خمسين سنة على تلك الحادثة نقرأ كل يوم عن الحالة المُزرية العبثية المُخجِلة التي وصلت إليها مدارس العراق ونتسائل: هل حقاً هناك من يلوم الشعوب المغلوبة على أمرها في تعثرها على الطريق الوعر الذي أوجده حكامها الأنانيين الجهلة وأسيادهم اللئام !؟؟.

المجد للإنسان دائماً.
تحياتي.

طلعت ميشو \ كاتب عراقي كلداني من مشيكان \ أميركا.


من يقف في صف كنّا وآغجان فأنه مشارك في تهميش وإستلاب حقوق الكلدان

يونادم كنّا وآغاجان كفتا ميزان لضرب مصالح مسيحيي العراق ولاسيما الكلدان

من يتعاون مع كنّا وآغجان فكأنه يطلق النار على الكلدان

To Yonadam Kanna & Sarkis Aghajan

You can put lipstick on a pig but it is still a pig

To Kanna & Aghajan

IF YOU WANT TO REPRESENT YOUR OWN PEOPLE,
YOU HAVE TO GO BACK TO HAKKARI, TURKEY & URMIA, IRAN





ياوطني يسعد صباحك
متى الحزن يطلق سراحك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من داخل القمقم./طلعت ميشو
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات كلداني  :: 

مقالات بآراء اصحابها
 :: كتابات ومقالات متفرقة

-
انتقل الى: